جلال الدين السيوطي
109
الأشباه والنظائر في النحو
في كتاب ( الإنصاف في مسائل الخلاف في النحو ) « 1 » : « مسألة : ذهب الكوفيّون إلى أن أفعل في التعجّب نحو « ما أحسن زيدا » اسم ، والبصريّون إلى أنّه فعل ، وإليه ذهب الكسائي » . ثم قال : « والذي يدلّ على أنّه ليس بفعل وأنّه ليس التقدير فيه شيء أحسن زيدا قولهم : « ما أعظم اللّه » ولو كان التقدير فيه ما زعمتم لوجب أن يكون التقدير « شيء أعظم اللّه » ، واللّه تعالى عظيم لا بجعل جاعل ، وقال الشاعر : [ البسيط ] « 631 » - ما أقدر اللّه أن يدني على شحط * من داره الحزن ممّن داره صول ولو كان الأمر على ما زعمتم لوجب أن يكون التقدير فيه : شيء أقدر اللّه ، واللّه تعالى قادر لا بجعل جاعل . واحتجّ البصريون بأمور » ثمّ قال : « والجواب عن كلمات الكوفيين » ثم قال : « وأما قولهم في « ما أعظم اللّه » قلنا : معنى : « شيء أعظم اللّه » ، أي وصفه بالعظمة ، كما تقول : عظّمت عظيما . ولذلك الشيء ثلاثة معان . أحدها : أن يعنى بالشيء من يعظّمه من عباده ، والثاني : أن يعنى بالشيء ما يدلّ على عظمة اللّه تعالى ، وقدرته في مصنوعاته ، والثالث : أن يعنى به نفسه أي : أنّه عظيم لنفسه لا لشيء جعله عظيما ، فرقا بينه . وبين غيره . وحكي أنّ بعض أصحاب المبرّد « 2 » قدم إلى بغداد قبل قدوم المبرّد ، فحضر حلقة ثعلب فسئل عن هذه المسألة فأجاب بجواب أهل البصرة وقال : التقدير شيء أحسن زيدا ، فقيل له ما تقول في « ما أعظم اللّه » فقال : شيء أعظم اللّه ، فأنكروا عليه ، وقالوا : لا يجوز ، إنّه عظيم لا بجعل جاعل ، ثمّ سحبوه من الحلقة فأخرجوه ، فلمّا قدم المبرّد أوردوا عليه هذا الإنكار فأجاب بما قدمناه ، فبان بذلك قبح إنكارهم وفساد ما ذهبوا إليه . وقيل : يحتمل أن يكون قولنا : « شيء أعظم اللّه » بمنزلة الإخبار أنّه عظيم ، لا شيء جعله عظيما لاستحالته . وأمّا قول الشاعر « 3 » : [ البسيط ] ما أقدر اللّه [ أن يدني على شحط * من داره الحزن ممّن داره صول ]
--> ( 1 ) انظر الإنصاف ( ص 126 ) . ( 631 ) - الشاهد لحندج بن حندج المريّ في الدرر ( 6 / 266 ) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( ص 1831 ) ، وتاج العروس ( صول ) ، ومعجم البلدان ( صول ) ، والمقاصد النحوية ( 1 / 238 ) ، وبلا نسبة في الإنصاف ( 1 / 128 ) ، وشرح الأشموني ( 1 / 45 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 167 ) . ( 2 ) انظر مجالس العلماء للزجاجي ( ص 164 ) . ( 3 ) مرّ الشاهد رقم ( 631 ) .